مدخل عام: أعالج في هذه البحث دور الهجرة الأندلسية إلى فحص الجزائر ومتيجة، حيث تبدو نصوص ووثائق ...

وصلت إلى الجزائر أعداد كبيرة من الأندلسيين عبر العصور، لا تقل عن الأعداد التي نزحت إلى المغرب و تونس. انتقل منهم ...

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني – الحلقة 6

الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله مقررات‮ “‬وادي‮ ‬الصومام‮” ...

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني – الحلقة 5

أديت‮ ‬ثلاث‮ ‬حجات‮ ‬وست‮ ‬عمرات‭..‬‮ ‬ومن‮ ‬الله‮ ‬القبول

الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله مقررات‮ “‬وادي‮ ‬الصومام‮” ‬كتبت‮ ...

  مذكرات

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني – الحلقة 6

عدد القراء : 3073

      عملت – كسائر الإخوة العاملين – ما استطعت أن أعمله لإعانة الثورة التحريرية وإنجاحها، بعد أن اندلعت نارها يوم 5 ربيع الأول سنة 1374هـ أول نوفمبر 1954م، وكان ذلك حين طلبت مني “لجنة التنسيق والتنفيذ” المسيرة لها في العاصمة، أن أتولى جمع المال لها من أبناء الوطن المخلصين لها، فقمت بذلك، مع الدعوة لها في المسجد الذي كنت أصلي فيه “الرويسو”

الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله

مقررات‮ “‬وادي‮ ‬الصومام‮” ‬كتبت‮ ‬في‮ ‬منزلي‭..‬‮ ‬
والشرطة‮ ‬الفرنسية‮ ‬استجوبتني‮ ‬ست‮ ‬مرات
عملي‮ ‬ومشاركتي‮ ‬في‮ ‬ثورة‮ ‬التحرير


عملت – كسائر الإخوة العاملين – ما استطعت أن أعمله لإعانة الثورة التحريرية وإنجاحها، بعد أن اندلعت نارها يوم 5 ربيع الأول سنة 1374هـ أول نوفمبر 1954م، وكان ذلك حين طلبت مني “لجنة التنسيق والتنفيذ” المسيرة لها في العاصمة، أن أتولى جمع المال لها من أبناء الوطن المخلصين لها، فقمت بذلك، مع الدعوة لها في المسجد الذي كنت أصلي فيه “الرويسو”
وفي شهر جوان 1956، طلبت مني اللجنة أن أسمح لها بعقد اجتماعاتها في منزلي، الذي أسكنه مع أفراد عائلتي وأولادي – لأنني أسكن مع الأروبيين – الكائن بحي ميدان المناورات، الذي صار يدعى بعد الاستقلال بـ”أول ماي”، فلبيت طلبها من غير معارضة، – وهذه إعانة أقدمها للمجاهدين – بالرغم مما يحيط بي من المخاطر، إذ منزلي كان في العمارة الكبيرة العالية ذات 14 طابقا، وهي تابعة لديوان المساكن ذات الكراء المعتدل، كما يسميها الفرنسيون “هـ.ل.م”، وبالرغم مما يحيط بي من الأخطار والأهوال، لأنني أعرف مسبقا أن لو علم الفرنسيون، أو حامت حولي الشكوك، لكنت أعدم أنا وأولادي، ولكنني توكلت على الله، ومضيت مع الثورة إلى النهاية، فحفظني الله من كل مكروه، كما حفظ كل الذين جاؤوا إلى منزلي من الإخوة قادة الثورة، والحمد لله الذي لم يصب أي أحد في منزلي، لأن أكثر سكان تلك العمارة، بل كلهم من الأروبيين، ماعدا أنا أو امرأة أحد المواطنين، كانت السلطة الفرنسية أخذته وأعدمته، فكلهم ضد الثورة التحريرية، فكانت تلك اللجنة تعقد اجتماعاتها – ومنها الحربية – في منزلي، بإشراف البطل الشهيد “عبان رمضان”، مع الإخوة : بن يوسف بن خدة، وتمام عبد المالك، وابراهيم شرقي وغيرهم، من ذلك أن مقررات “وادي الصومام” المشهور، حرّرت وكتبت في منزلي المذكور، وقد حفظني الله من يد البطش الملوثة بدماء الأحرار، ومع هذا الحفظ الإلهي والتكريم الرباني، الذي حباني الله به، في حين عمّ فيه البطش الوحشي من لدن جيش العدو الغاشم، فقد نال ذلك البطش الكثير من العاملين للثورة، وحتى غير العاملين، وفيهم من قتل أو عذب، ولم يعمل شيئا يذكر للثورة والوطن، قلت ومع ذلك الحفظ الإلهي، فإني لم أسلم من تفتيش منزلي ودخول الجيش المتوحش إليه للبطش والسرقة، ومن الاعتقال إلخ ما هو معروف في زمن الثورة، فقد نالني بعض ما نال إخواني العاملين في حقلها، فكم من مرة هجم الجند على منزلي – ليلا – سواء منهم جنود المظلات أو غيرهم، والشرطة السرية أيضا، وأخذوني معهم ست مرات إلى مراكزهم، وفي كل مرة يحفظني‮ ‬الله‮ ‬من‮ ‬مكرهم‮ ‬وكيدهم‮.‬
فالمرة الأولى: كانت ليلة الجمعة 25 محرم 1377 الموافق لـ23 أوت 1957، حين دخل جنود “الزواف” الفرنسيون إلى منزلي، بعد دق الجرس دقا عنيفا مرعبا كعادتهم في مثل هذا، لنشر الرعب والهلع في أوساط العائلات، وكان ذلك بعد منتصف الليل بقليل، ولما فتحت لهم الباب دخلوا في أفواج كثيرة، وبعد التفتيش الدقيق وبعثرة الكتب والأثاث، لم يعثروا على شيء، لأنني كنت دائما أحتاط لنفسي من شرهم، والذي دلهم عني كما صرّح لي هو بذلك عندما واجهوني له في نفس تلك الليلة، وبعد التفتيش، أخذوني معهم في الواحدة والنصف ليلا إلى مركزهم “الانتانداس” بالقرب من نهج بروس إلى جنب جامع “كتشاوة”، وبعد البحث الدقيق المحرج هدّدوني بالتعذيب، غير أنهم لم يأخذوا مني شيئا، وبعد أن قابلوني كما قلت سابقا، واعترف لي بأنه هو الذي دلهم علي، فبقيت في مركزهم تلك الليلة، ومن الغد كذلك للبحث وكتابة التقارير، وفي الليلة التالية‮ ‬أفرجوا‮ ‬عني،‮ ‬وأوصلوني‮ ‬إلى‭ ‬منزلي‮ ‬في‮ ‬سيارتهم‮.‬
والمرة‮ ‬الثانية‮: ‬كانت‮ ‬في‮ ‬غد‮ ‬ذلك‮ ‬اليوم،‮ ‬بدعوة‮ ‬من‮ ‬قائد‮ ‬تلك‮ ‬الفرقة‮ ‬المسمى‮ ‬سيرفان،‮ ‬بدعوى‮ ‬زيادة‮ ‬البحث‮ ‬وتحقيقه،‮ ‬ولم‮ ‬يطل‮ ‬ذلك‮.‬
والمرة الثالثة: كانت يوم الخميس 6 ربيع الآخر 1377 الموافق لـ31 أكتوبر 1957 على الساعة الخامسة صباحا، حين دق الجرس ـ جرس المنزل طبعا ـ من طرف الشرطة السرية الفرنسية، “د.س.ت” وبعد التفتيش نقلوني قبل الفجر إلى مركز “جمعية العلماء” ـ بصفتي مديره ـ وبعد تفتيش له دام ساعتين، نقلوني إلى مركزهم في “ايرد وفرانس” بين الأبيار وبوزريعة، فبقيت عندهم كامل اليوم في البحث والأسئلة المحرجة، ومركزهم هذا هو الذي أودعوا فيه الخمسة الذين اختطفوهم بواسطة الطائرة المعروفة قصتهم، وكانت الأسئلة كلها تدور حول علاقتي بالشيخ أحمد حماني ونور صالح السالف الذكر، المحتجزين في ذلك الوقت، وعلاقتي بهما أن الشيخ أحمد حماني جاءني برسالة من قسنطينة، وسلمتها للسيد نور صالح، ولما احتجز حماني اعترف بأنه سلم لي رسالة، وأنا سلمتها لنور صالح.
وبعد‮ ‬إتمام‮ ‬البحث‮ ‬ولم‮ ‬يأخذوا‮ ‬مني‮ ‬شيئا‮ ‬أفرجوا‮ ‬عني‮ ‬وأعادوني‮ ‬إلى‭ ‬منزلي‮ ‬ليلا‭.‬
والمرة الرابعة: كانت يومي الخميس والجمعة 21 – 22 شعبان 1377 الموافق لـ13 – 14 مارس 1958، حين جاءني استدعاء إلى مركز جمعية العلماء للذهاب إلى مركز الشرطة السرية، الكائن في شارع القديس سانت عدد 38 والمركز في مرآب للسيارات، والشرطة فوقه، وقد حول ذلك الشارع بعد الاستقلال إلى شارع محمد الخامس، وبعد البحث الشديد والتهديد والوعيد، لم ينالوا مني شيئا يريدونه، والذي يجب أن أقوله هنا فيما يخص هذه المرة الرابعة، أن الذي دلّ الشرطة عليّ هو رجل اسمه دحمان رابح آكلي، من قرية قلعة بني عباس، لأنه علم أن عندي أمانة مالية قدرها ثلاثة ملايين فرنك قديم، كان جمعها تجار القلعة، وقدموها إعانة منهم للشهيد القائد عميروش رحمه الله، وكان غير محتاج إليها في ذلك الوقت، فأمرهم بوضعها عند جمعية العلماء، إلى الوقت الذي يحتاج إليها، وذلك في مارس وفي رمضان 1956، وهذا الرجل “دحمان آكلي” كان حاضرا وقت دفعت إلي، من قبل الذين أحضروها، وهذا الرجل كان ألقي عليه القبض في سنة 1956، وبقي معتقلا عندهم وصار يعمل مع الشرطة السرية، فدلهم علي في سنة 1958، والأمانة المذكورة كانت وضعت عندي في مارس 1956، والمعروف في وقت الثورة أن أصعب أوقات الاعتقال إنما هو الشهر الأول للمعتقل، إذ يتكرر عليه البحث والتعذيب وغيره، فإذا جاوز المعتقل الشهر خف عنه ما كان، ويبقى محتجزا عندهم من غير تعذيب، فالذي يدل العدو على ما يعرف من أمور الثورة بعد سنتين، هو من المنقلبين على أعقابهم، والعاملين لمصلحة الجيش الفرنسي، وبأمثال هذا الرجل‮ ‬الضعيف‮ ‬ذهب‮ ‬الكثير‮ ‬من‮ ‬الرجال‮ ‬العاملين‮ ‬ضحية‮ ‬الخور‮ ‬والضعف،‮ ‬ومع‮ ‬ذلك،‮ ‬فقد‮ ‬صرفتهم‮ ‬عما‮ ‬أرادوه،‮ ‬ونجاني‮ ‬الله‮ ‬من‮ ‬شرهم،‮ ‬بعدما‮ ‬ذقت‮ ‬منهم‮ ‬ما‮ ‬ذقت‮ ‬من‮ ‬الإهانات‮.‬
أما الأمانة المذكورة، فقد سلمتها إلى لجنة “التنسيق والتنفيذ” – المسيرة للثورة – بأمر من القائد رب الأمانة، سلمتها بواسطة السيدين بن يوسف بن خدة وإبراهيم شرقي، إلى السيد يوسفي عمر، فقد بلغت أهلها سالمة والحمد لله.
يتبع‭..‬

جريدة الشروق 2011.08.07