مدخل عام: أعالج في هذه البحث دور الهجرة الأندلسية إلى فحص الجزائر ومتيجة، حيث تبدو نصوص ووثائق ...

وصلت إلى الجزائر أعداد كبيرة من الأندلسيين عبر العصور، لا تقل عن الأعداد التي نزحت إلى المغرب و تونس. انتقل منهم ...

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني – الحلقة 6

الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله مقررات‮ “‬وادي‮ ‬الصومام‮” ...

مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني – الحلقة 5

أديت‮ ‬ثلاث‮ ‬حجات‮ ‬وست‮ ‬عمرات‭..‬‮ ‬ومن‮ ‬الله‮ ‬القبول

الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله مقررات‮ “‬وادي‮ ‬الصومام‮” ‬كتبت‮ ...

  حوارات

حوار شامل مع الأستاذ الدكتور أبوالقاسم سعدالله (الجزء الأول)

عدد القراء : 5507

      جيل الثورة قام بواجبه المقدس وهو تحرير الوطن وقد استشهد منه من استشهد على قناعة وإيمان وكان مسلحا بعقيدة الحرية للوطن والنضال من أجله إلى الموت. ولكن من بقي من ذلك الجيل على قيد الحياة لم يواصل كله مسيرة النضال عجزا أو خورا، وقد بدل وغير وجذبته الحياة بمغرياتها وانخدع لبعض الشعارات واستسلم لبعض الضغوط وتخلى بعضهم صراحة عن المبادئ التي كان يكافح من أجلها، والانحرافات التي كان ضدها، وقد غلبت على هؤلاء الأنانية والجهل بحقائق الأشياء وسلموا الراية لمن لا يستحقها ولا يعرف قدرها

مؤرخ تعود السير حافيا على رمال قريته ، فلم يعرف الحذاء إلا عند بداية سفرياته، و لم يعرف فبل خروجه من قريته سوى الحياة البائسة، و لم تكن حياته في غيرها بأحسن منها، فقد نام في الحمامات، و سكن فوق سطوحها، و حتى عندما طرق باب الشيخ البشير الإبراهيمي ليلا في القاهرة، صرخ في وجهه و هو شبه غاضب قائلا له: " واش جابك اليوم عاد"، لكنه عاد من رحلة طلب العلم غانما و عالما..
لم تثنه الصعاب و العقبات في رحلاته، فقد كان أشبه بالبيئة التي ولد و ترعرع فيها، جاف كمناخها، متحرك كرمالها، شامخ كنخيلها، أقدامه ظلت مغروسة في رمال قريته و تربة وطنه كجذور النخل مهما علا و ارتفع..
مؤرخ قدم للجزائريين تاريخهم- الذي تعودوا على استيراده من عدوهم- بصورة أنقى و أحلى مما قدم نخيل قمار له و لهم.
اختار غيره الطموح إلى الوظيف و المناصب الإدارية الرسمية، و فضل هوالتفرغ للدراسة و البحث و الإنتاج الثقافي.
و مثلما عزف عن المناصب، و رفض أن يكون متسلقا أو وصوليا أو انتهازيا، عزف عن بريف و أضواء الشرق و الغرب، فقد كان بإمكانه أن يختار بلدا عربيا أو غربيا ليكون له موطنا و مسكنا و فضاء أرحب لإنتاجه و فكره، لكنه فضل العيش في الجزائر بين أهله و طلابه، فأسعد لحظات عمره - كما يقول - حين يكون بين طلابه مدرسا أو مناقشا أو موجها..
من الصعب حصر أعماله ، لكن وزارة المجاهدين قامت بجمعها و طبعها في 21 مجلدا، قدم لها رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة..
إنه الأستاذ الدكتور أبوالقاسم سعدالله الذي أجرينا معه حوارا مطولا تحدث فيه بصراحة ، دون مجاملة أو مداهنة، صراحة قد تغضب البعض أفرادا و مؤسسات ، و حتى جماعات و جهات، و هذا هو الجزء الأول من الحوار.

قلتم أن هناك مؤرخي الدولة ومؤرخي الأفكار وان أسوا أنواع المؤرخين هم الذين يرضعون أثداء النظم القائمة أو يمتصون أصابع الحكام فمن بكون الأستاذ أبو القاسم سعد الله ؟
للمؤرخ الحق مواصفات تكاد تكون عالمية فإذا لم يلتزم بها يضر الحقيقة شيئا فمنذ هيرودوت إلى الطبري إلى ابن خلدون إلى توينبي والمؤرخون منقسمون بين اختيار الموضوعية والالتزام بالحقيقة والبحث عنها في الوثائق والملابسات وتفسير الأحداث ونفسيات صناعها بما آتاه الله من عقل وحكمة وتجرد وضمير وبين اختيار المنفعة الشخصية بحيث يكتب لينال حظوة من حاكم في وقته أو ترسيخ فكرة اقتنع بها ولا يحيد عنها مهما ظهر له من الحق أو الأخذ بالثأر من خصم له عن طريق تلبيس الحقائق ثوبا غير ثوبها وهذا التناول للتاريخ لا يمنع أن يكون المؤرخ ابن بيئته وعصره أيضا فهو لا يكتب دائما عن الماضي السحيق الذي لا تجمعه به جامعة في الزمان ولا في المكان، نعم قد يكتب المؤرخ عن الآخرين في بيئات وعصور أخرى وفي هذه الحالة يكون غير مرتبط نفعيا ولا عاطفيا ولا شخصيا بوجود أمة ولا شعب يفصله الزمان والمكان البعيد غير أن مؤرخ العصر الحاضر مثلا قد يجد نفسه متأثرا بالعصور السابقة وما فيها من أفكار وأعراف ودول فينحاز إلى تيار يخدم قومه في العصر الحاضر كما فعل ويفعل بعض المؤرخين اليهود والمسيحيين اليوم بالنسبة لمساهمة العرب والمسلمين في الحضارة الإنسانية ومن الفتوحات الإسلامية ومن الحروب الصليبية ومن عودة إسرائيل على أنقاض التاريخ باسم العودة إلى أرض الميعاد وغير ذلك من القضايا التي تتفاعل فيها السياسة اليوم وتجد لها من المؤرخين أصواتا مساندة أحيانا .
إن بعضهم قد صنفوني من مؤرخي السلطة ربما على أساس أنني أكتب عن قضية الشعب الجزائري ولعل هؤلاء يريدون مني أن ألعن السلطة لكي أكون مؤرخا حقيقيا وهناك من صنفني مؤرخا ضد السلطة لأنني لا أمتدحها ولا أشيد بمواقف رجالها بل أنتقدها ضمنيا تارة وصراحة تارة أخرى والواقع أني مؤرخ "مخضرم" عشت في عهد الاستعمار الفرنسي وهو عهد عاشه الشعب الجزائري كله عهد تميز بالتجهيل والتفقير والقمع وكنا نطمع أثناء الثورة أن مصيرنا سيتميز بالحرية والعلم والثورة فإذا نحن اليوم بعيدين عن كل ذلك فماذا يفعل المؤرخ الموضوعي ؟أعرف إن هناك من ظل يمدح الاستعمار ويعتبر وجوده مكسبا وثقافته غنيمة والعلاقات معه تسامحا وانفتاحا وعالمية إنسانية وهؤلاء يقيسون ولاءهم للسلطة الجزائرية بميزان اقترابها وابتعادها عن القطب وهو دولة الاستعمار السابق وأعرف أيضا أن هناك رافضين لكل ما تقوم به السلطة في اتجاه العولمة والمعاصرة والواقع أنني لا أقيس نفسي بحكم الآخرين علي لا في زمننا فقط ولكن فيما يأتي من الأزمنة فالمؤرخ يجب أن يكون أن يكتب عن مسيرة وليس عن سلطة، عن قضية شعب وليس عن نزوات حاكم، وكما يبحث الإنسان عن الخلود في النصب التذكارية والأضرحة المحصنة والمساجد الفاخرة والأوقاف المثبتة، كذلك يبحث المؤرخ عن الخلود في مواقفه المستقلة وآرائه السابقة. والخلاصة أن مؤرخي السلطة سرعان ما ينطفئون بانطفاء السلطة التي تمدهم بالطاقة الضوئية أما المؤرخ الموضوعي فيستمد طاقته الضوئية من نور الحكمة والبصيرة .

الكاتب الحق يجب ان يقول كلمته الحرة المقتنع بها سواء أرضت الآخرين أو أسخطتهم أما الكاتب الذي يجامل بكلماته ويجاري التيار ويماشي الظروف فهو كاتب دجال لأنه لا يصدر عن عقيدة واقتناع فهو إذن كاتب انتهازي أو مأجور أو جبان ..إذا ما قيمتم كتابنا منذ الاستقلال إلى اليوم فأي كفة ترجح كفة الكاتب الحق أم كفة الكاتب المأجور ؟
هناك اعتقاد سائد عندنا وهو أن المؤرخ كالسياسي إما أن يكون في السلطة أو المعارضة وهذا في نظري اعتقاد خاطئ، فالمؤرخ قد يكون متفقا مع السلطة في بعض مواقفها وقد يكون مخالفا لها منتقدا تصرفاتها. مع العلم أنه يؤرخ لسلطات سابقة عن زمنه وليس بالضرورة لسلطة قائمة في وقته. وأمامنا مؤرخو الدول الغربية المعاصرة فهم يشاركون السلطة القائمة في توجهاتها أحيانا حتى يشعرونك بأنهم قد أصبحوا من خدامها ومن الممهدين لنشاطها وتدخلاتها ولكنهم قد ينتقدون قادتها نقدا لاذعا على تصرفاتهم الحمقاء إذا رأوا أن ذلك ضد مصالح الأمة ثم إن المؤرخ ليس دائما هو الذي يؤرخ لعصره ذلك أن عصور التاريخ كثيرة ومتباعدة ولكن رموز السلطة تكاد تكون واحدة ولذلك فإن المؤرخ يجد نفسه ناقدا لسلطة عصره أو مؤيدا لها صراحة أو ضمنيا وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك مؤرخا محافظا وآخر ليبراليا وهناك المؤرخ المستقل البعيد عن أهل القرار. وبالجملة فالمؤرخ إنسان قبل كل شيء يتأثر بما حوله من بيئة وأسرة وتطورات علمية وسلطة وإعلام وتقاليد. وحديثي الذي أشرتم إليه كان عن الكتاب وليس المؤرخين وللأسف فإن البعض من الكتاب خضع لإغراءات السلطة وأحيانا ضغوطاتها وأيديولوجياتها فانضموا إليها وطبلوا لها وغنوا معها في زفه واحدة وهم بذلك تركوا الشعب والمستقبل والضمير وراءهم فكانوا مأجورين وليسوا أصلاء، وكان إنتاجهم إنتاجا ظرفيا سرعان ما ذرته الرياح وهذه الظاهرة ما تزال ماثلة عندنا، فلدينا كتاب ومؤرخون وباحثون وأدباء تغريهم السلطة بالمناصب والألقاب فينجذبون إليها فإذا أدخلوا بيت الطاعة استلذوا الحياة وصعب عليهم الخروج من البيت لأنهم أصبحوا مثقلين بالذرية ومطالب الحياة اليومية، فماتت فيهم المواهب وانقطعت الطموحات وحل بهم البؤس الفكري. وأشهد أن البعض ممن رفضوا بيت الطاعة وجدوا أنفسهم مهمشين في وطنهم وفيهم من اختاروا وطننا بديلا مع الأسف .

السلطة في الجزائر منذ الاستقلال تريد من الكاتب أن يقول خيرا أو ليسكت وهذه الحكمة كما تقولون إن جازت في الأخلاق فإنها لا تجوز في العلم والتاريخ ولهذا تجاوزتها ورفضت أن تسكت فكيف تمكنت من كتابة ما كتبت؟
الخير الذي تريده السلطة هو خيرها هي أي المدح والثناء والسكوت عن الظلم والاستبداد والتجاوزات وهذا الدور إن جاز أن يقوم به علماء السلطان وحتى العملاء فإنه لا يجوز أن يقوم به المؤرخ صاحب الضمير الحي والرسالة الإنسانية والوطنية. وتاريخنا الإسلامي والجزائري ملئ بالأمثلة للكتابات السلطانية وإذا رجعنا إلى تاريخنا المحلي (في منظور تاريخ الأمة الإسلامية) وجدنا علماء سلاطين بني زيان من أمثال محمد التنسي صاحب كتاب (نظم الدر والعقيان) ويحيى ابن خلدون (أخو صاحب المقدمة) في كتابه بغية الرواد، وفي شرق الجزائر وجدنا علماء سلاطين أمثال أحمد بن القنفذ صاحب كتاب (الفارسية). وفي العهد العثماني نجد ابن ميمون صاحب التحفة الرضية وابن سحنون صاحب (الثغر الجماني) وأبا راس الناصري في (عجائب الأسفار) وابن زرقة في (الرحلة القمرية). فهذه الكتب عندما تقرأها تتخيل أنك تنشد قصيدة مدح وليس تاريخ دولة.
نمط من مؤرخي السلطة. فنحن نجد في العهد الفرنسي كتبا ناقدة من أمثال (المرآة) لحمدان خوجة و(تحفة الزائر) لمحمد بن الأمير و(تاريخ الجزائر في القديم والحديث) لمبارك الميلي الهلالي و(كتاب الجزائر) لأحمد توفيق المدني، أما عن موقفي فإنني كتبت ما كتبت بعيدا عن السلطة التي لا أشعر أنني مدين لها بشيء. وعندما يتحرر الإنسان من "الديون" يستطيع أن يفكر بحرية ..والحق أنني لم أطلب من السلطة شيئا لم تعطني إياه حتى أغضب فأكتب ضدها فأنا ألاحظ وأبحث وأكتب ما قد يكون لصالحها أو ضدها دون شعور بأنني أسترضي أو أهاجم لغرض ما، وكلما ابتعد المؤرخ عن الطمع كلما شعر بالحرية وكتب ما يمليه عليه الضمير والحقيقة وأنا لا أثأر من أحد ولا أطمع في أحد قناعة بما عندي .

أملكم هو أن تخرج من الجامعة الجزائرية فئة من الباحثين المتمرسين و المسلحين بوسائل العلم و البحث و المقتنعين بضرورة حمل الرسالة، رسالة كتابة تاريخ الجزائر منذ القديم من وجهة النظر الوطنية، هل تحقق هذا الأمل بعد عقود من التدريس في قسم التاريخ، و تخرج أجيال على أيديكم؟
للأسف لم يتحقق إلا القليل من ذلك، فالشباب كانوا مندفعين يبحثون عن عمل وسيارة وسكن وكانوا يتهافتون على المناصب والألقاب البراقة ويحسبون أن ذلك هو نهاية الأمل وآخر الدنيا وربما يعتقد الواحد منهم أنه إذا وصل إلى المنصب المرغوب فإنه يستطيع أن يحقق بواسطته السمعة والوجاهة والمصالح الشخصية (الاتصال بالمسؤولين، السفر على حساب المؤسسة، المنح والعلاوات ونحوها ...) وقد أغرتهم السلطة بهذه المناصب إرضاء لضعفهم الإنساني فلم تشترط على من توليه المناصب كفاءة ولا مؤهلا علميا محترما يكفي أن تجد في الشخص الولاء والإخلاص لها، كل ذلك كان على حساب مستوى التعليم والبحث وتقدير أصحاب الدرجات العلمية وإرساء التقاليد الجامعية.
وبهذه الطريقة انعدمت المقاييس العلمية والأخلاقية والمهنية في الجامعة ولم تعد المؤهلات شرطا، ولا كرامة التقاليد الجامعية وسيلة، فاختلط الحابل بالنابل وأصبح المعيد أستاذا، وحامل الماجستير دكتورا، ورئيس المؤسسة الجامعية لم يمارس التدريس بالمرة ولا يعرف كيف يكتب بحثا. واختلطت أيضا التخصصات فأصبح حامل الماجستير متخصصا في موضوع المذكرة التي كتبها (أو كتبت له ) وهي لا تعدو أن تكون عن حادثة معروفة في التاريخ الوطني أو عن قرية في القطر الجزائري أو عن شخصية كان لها دور صغير في الحياة العامة، فبقيت الجامعات الجزائرية تكرر نفس التخصصات وتشرب من المياه الراكدة لأنها لم تساير التطور الواقع في مجال التاريخ والعلوم الاجتماعية بوجه عام، فهي الآن تشكو من الجهل بالتخصصات في المناطق الأخرى من العالم سواء في العصر الحاضر أو العصور الغابرة. ومعرفتنا لتجارب الشعوب والأمم من حولنا معدومة أو محدودة جدا، فقد عجز أساتذة الجامعة الجزائرية عن مجاراة البحث حتى في الدول العربية التي تبع معظمها منهجا صارما في التعيينات والترقيات والتقدم العلمي، كما عجزوا عن المساهمة في المجلات المتخصصة ببحوثهم الرصينة. أما القلائل الذين أحسوا من أنفسهم القدرة على مجاراة التقدم العلمي وكانوا يتمتعون بمواهب وطموحات إنسانية مبررة فإنهم اختاروا الهجرة إلى خارج الوطن وتوزعوا على المعاهد والجامعات الأجنبية بما فيها العربية وقد أثبتوا وجودهم وكفاءتهم، وهم اليوم منتشرون في الأرض من ماليزيا إلى أمريكا، ومن الأردن إلى فرنسا، وقد لعبت المسألة اللغوية دورا في وجودهم في هذا البلد أو ذلك .

كتبتم أكثر أعمالكم خارج الجزائر لأن الباحث- كما قلتم – لا يحتاج فقط إلى لقمة العيش بل يحتاج إلى المكان المناسب والزمان المواتي والجو المستبشر فهل توفرت لكم هذه العوامل اليوم في الجزائر ؟
ربما هي أفضل من السابق ولكنها عوامل جاءت مع التقدم في السن والشح في العطاء العلمي وما زلت أحس أنني إذا نزلت ضيفا على إحدى الجامعات الغربية فإنني أعمل أضعاف ما أعمله في الجزائر وذلك لأسباب منها :سهولة الوصول إلى الكتاب والوثيقة بحيث يجري العمل داخل المكتبة أو المختبر دون واسطة ودون طلبات وبيروقراطية ولا تقاعس من المسؤولين، ثانيا :وفرة المكان بحيث تختار المكان الذي يناسب للجلوس والاختلاء والقراءة والتحرير دون تعطيل من أصحاب "السلام عليكم" و"تعال نشرب قهوة" واسمح لي يا أستاذ أسألك عن ...... ثم الحديث عن السياسة والقيل والقال من فلان وفلان دون طائل فالإمكانيات المشار إليها غير متوفرة في بلادنا مع الأسف، ففي الجامعة مثلا لا توجد مكتبة خاصة بالدراسات العليا والأساتذة الباحثين تحتوي على مكاتب منفردة، كما لا توجد مكاتب للأساتذة لاستقبال الطلبة والاستماع إلى متطلباتهم البحثية ولا خلوات لكتابة موضوع محدد أو تصحيح أوراق الطلبة أو الرد على البريد العلمي أو كتابة تقرير على أطروحة معروضة للمناقشة، إن ما نستغربه هو أن المسؤولين على جامعاتنا يسافرون ويطلعون على ما حققته الجامعات الأجنبية من تطور وتقدم ومع ذلك يهملون الجامعات المسؤولين عليها ولا يحاولون حتى تقليد بعض هذه الجامعات الأجنبية. فمتى تخرج الجامعة الجزائرية من هذه الدوامة، دوامة الإهمال والاعتقاد بأن الجامعة هي مجرد حيطان غير مكتملة فيها شبه هيئة تدريس "يتأستذون" على طلاب ذوي عقليات محلية يظنون أن التعلم في الجامعة لا يكاد يختلف عن التعلم في الثانويات والزوايا إلا في التعبير عن الحريات الفردية البدوية كردود الفعل الغاضبة المتمثلة في الإضراب وحرية التغيب عن الدروس .

لماذا أهديتم تاريخ الجزائر الثقافي إلى جيل ما بعد الثورة أهو اليأس من جيل الثورة الذي قصر في كتابة تاريخه حتى تطاول عليه أطفالنا فطالبوا برميه في المزبلة وتطاول علينا المستعمرون فاعتبروا جرائمهم فضائل وإيجابيات ؟
جيل الثورة قام بواجبه المقدس وهو تحرير الوطن وقد استشهد منه من استشهد على قناعة وإيمان وكان مسلحا بعقيدة الحرية للوطن والنضال من أجله إلى الموت. ولكن من بقي من ذلك الجيل على قيد الحياة لم يواصل كله مسيرة النضال عجزا أو خورا، وقد بدل وغير وجذبته الحياة بمغرياتها وانخدع لبعض الشعارات واستسلم لبعض الضغوط وتخلى بعضهم صراحة عن المبادئ التي كان يكافح من أجلها، والانحرافات التي كان ضدها، وقد غلبت على هؤلاء الأنانية والجهل بحقائق الأشياء وسلموا الراية لمن لا يستحقها ولا يعرف قدرها وتسامحوا مع من خانوا الثورة وعفا عنهم، ربما اضطرارا لا اقتدارا فكيف أهدي كتابي إلى هؤلاء كما لا يمكنني أن أهديه إلى من لا يفهم مغزاه ولا يفك رموزه. لقد عاشت الثورة في دمي وشعري وشعوري وقلمي، وقد كتبت أخيرا مقالة عنوانها "علمتنا الثورة"، وأغلب من عاش عهد الثورة يدرك ما أعنيه مما كتبت فيها وكثيرا ما ألتفت إلى الوراء وأتنهد حسرة مستغربا كيف حصل للثورة ما حصل ونحن سادرون كأننا في غيبوبة، أين وحدة الجزائر ؟أين لغة الجزائر؟ أين إسلام الجزائر؟ أين علوم الجزائر؟ كيف تحقق ثورة إيران ما لم تحققه ثورة الجزائر؟ إن الخائن ليس هو الذي يبيع وطنه فقط ولكنه قد يكون الذي يتخلى عن قضيته أو يكيد لمن يعمل لصالح هذه القضية، لذلك أهديت كتابي إلى جيل ما بعد الثورة، وهو جيل برئ غير محدد الزمان وأعني به الجيل الذي سيكفر عن ذنوب آبائه ويرفع قدر الجزائر من جديد كما كان مرفوعا في عهد الثورة ويحقق لها ما عجز عنه آباؤه من وحدة وتقدم ورخاء .

في شكركم لمن ساعدكم في عملكم هذا نوهتم في نهايته بدور حرمكم المصون وقلتم إنها هي التي أملت علي معظم فصول الجزء الأول من مسودته أثناء التصحيح كما أنها طالما دلتني أثناء البحث على مراجع وطالما ساهمت معي في مناقشة الأفكار وفي وضع الخطة وترجمة بعض العبارات الأجنبية ومسائل أخرى لم أكن قد اهتديت إليه.ا فهل الزوجة باحثة هي الأخرى في التاريخ؟
زوجتي سيدة واسعة الثقافة ومزدوجة اللغة وقد أصبحت بعد رحلتنا إلى أمريكا ثلاثية اللغة وهي قارئة دقيقة ومتذوقة ناقدة للثقافة العربية وغيرها، ولكنها غير منتجة لها وقد قدمت إلي مساعدة عظيمة في مسيرتي البحثية إيمانا منها برسالتي الثقافية الوطنية، وهي التي واستني حين ضاعت محفظتي الثمينة وكدت أصاب باليأس والإحباط، وهي التي شدت من أزري كلما واجهتني عراقيل وتحملت معي الغربة وشظف العيش والحرمان .

ضياع محفظتكم بما فيها من فصول مكتوبة وأوراق وإضبارات وبطاقات سنة 1988 صدمكم لعدة سنوات فلماذا بالضبط وكيف تجاوزتم تلك المصيبة وأعدتم جمع وكتابة ما ضاع ؟
لذلك قصة طويلة لا يتسع لها هذا المجال وقد تحدثت عن ذلك في كلمة منشورة بعنوان "نكبة ثقافية" كما أشرت إليها في مقدمة الجزء الثالث من التاريخ الثقافي ومقدمة الجزء الثاني من الحركة الوطنية. وقد بقيت جرحا لا يندمل رغم أني أعدت كتابة الفصول الضائعة من الحركة الوطنية وغيرت منهجي في خطة التاريخ الثقافي في عهد الاحتلال، وراجعت كتبا ومخطوطات كنت قد قرأتها منذ زمن بعيد ومع ذلك فاتني الشيء الكثير رغم ما حفظته ذاكرتي وما ظل في بعض البطاقات الباقية. ولكن الذي لم أستطع ولن أستطيع إعادة كتابته هو (يومياتي) التي استغرقت مني عدة سنوات والتي كان دفترها لا يفارقني أبدا وقد كنت دائم التسجيل فيه ما أرى وأسمع وأعيش من تجارب كل ذلك ذهب أدراج الرياح وربما سيظهر ذات يوم عند أقوام آخرين أو في بلد غير بلدنا. ومن يدري فقد يكون عدا عليه الزمن بالحرق والتلف كما توقع له الشرطي البريطاني عندما أخبرته بنكبتي

تقولون إن الجزائر ظلمها أعداؤها وأشقاؤها على السواء. ألا ترون أن ظلم أبنائها اليوم فيما يتعلق بتاريخها أشد ؟
عندما تحدثت عن ظلم الأشقاء والأعداء كان في زمن الثورة وما قبلها، أما ظلم الأبناء أو حتى ظلم النفس فهو يتعلق بما بعد الثورة، بل ربما هو ظلم دائم ولولا ظلم النفس (وظلم الأبناء) لما تجاهلها أشقاؤها واعتدى عليها أعداؤها. وقد كتبت ذات يوم أن الجزائري يتواضع إلى درجة المحاق، فلا يترك لنفسه مكانا بين العالمين بل يرى غيره قد احتل مكانه ولا يتحرك لأنه غير مؤمن بنفسه وبدوره الإيجابي، فهو مسحوق في اللغة ومسحوق في الدين وجاهل بما حوله. انظر ماذا يجري عندنا اليوم، إننا نعتز بأشياء غيرنا نعتز بلغة الفرنسيين وندعي معرفة الحضارة الأوروبية على حساب حضارتنا، إننا لا نثق في أنفسنا ندعي الوطنية ولا نتمسك بمبادئها وندعي الثورية ولا نأخذ بلوازمها نعتز بالجزائر ولكننا نسعى للخروج منها ونشبعها كل حين سبا ولعنا. أليس هذا ما يريده أعداؤنا ؟ أليس ذلك هو الاستلاب بعينه ؟تلك هي "جدلية" ظلم الأبناء والأشقاء والأعداء إنها جدلية تاريخية يطول بنا الحديث إذا رجعنا إليها هنا بالتفصيل وللأسف ليس لنا برنامج للتخلص من هذه الظاهرة السلبية الخطيرة .
- يتبع -

المصدر: جريدة الحقائق الأسبوعية العدد21 الصادر في 17 مارس 2007